نحن
الان نتجول في قلب مدينة
القاهرة ولكنها غير القاهرة
التينعرفها
الان.. إنها القاهرة في يوم
الثلاثاء 28 ديسمبر سنة 1948 حيث
تقترب عقاربالساعة
من الرابعة بعد العصر
السماء
ملبدة بالغيوم ورذاذ المطر
يتساقط والشمس توشكعلي
المغيب والطرابيش الحمراء تغدو
وتروح وصفير 'الترماي' يختلط
بكلمات الأفنديةوصيحات
الباعة الجائلين.. وفي محل
شيكوريل بشارع فؤاد الاول نفاجأ
بأسعار زمان حيثيعرض
البلوفر الصوف الرجالي بجنيهين
والقميص بستين قرشا والكرافة
بعشرة قروش يابلاش .
وتظهر
في الشوارع اعلانات لأحدث
الأفلام مثل فيلم عبنرلأنور
وجدي وليلي مراد بسينما شبرا
بالاس وفيلم 'خيال امرأة'
لكاميليا وكمالالشناوي
بسينما الكورسال اما شكوكو، فقد
أعلن هو وفرقته عن احتفال رأس
السنة بأسعارمخفضة
علي مسرح حديقة الأزبكية
وانتهزت الفرصة فرقة استعراضية
تسمي 'اوتاسي'العالمية
لتعلن عن سهرة رأس السنة مع 9
فتيات جميلات في كازينو الكيت
كات
ومكانهالآن
مسجد خالد بن الوليد
وأخيرا علي كازينو بديعة مصابني
بالأوبرا نري الدبةكاتيا
أعجوبة القرن العشرين وهي تعتلي
خشبة المسرح .
اقرأ
الحادثة :
فجأة
نسمع صوت باعة الجرائد وهم
يهرولون فيالشوارع
وينادون 'اقرأ الحادثة.. اغتيال
النقراشي باشا رئيس الوزراء'..
يتهافتالعابرون
علي شراء جريدة الزمان المسائية
(لصاحبها اوجار جلاد بك ورئيس
تحريرهاجلال
الدين الحمامصي) وثمنها 10
مليمات (قرش صاغ) حيث يتصدر
صفحتها الأولي مانشيتكبير
بالبنط الاسود الثقيل 'مصرع
دولة النقراشي باشا' وفي تفاصيل
الخبر نقرأالتالي
:
في
العاشرة الا الثلث من صباح
اليوم دخل ضابط بوليس برتبةملازم
اول صالة وزارة الداخلية في
الطابق الاول فأدي له حراس
الوزارة التحيةالعسكرية
وأخذ يقطع الوقت بالسير البطيء
في صالة الوزارة كأنه ينتظر
شيئا وعندماأحس
بقرب وصولة دولة النقراشي باشا
اتجه نحو الاسانسير ووقف بجانبه
الأيمن وفي تمامالعاشرة
وخمس دقائق حضر النقراشي باشا
ونزل من سيارته محاطا بخرسة
الخاص واتجهللأسانسير
فأدي له هذا الضابط التحية
العسكرية فرد عليه مبتسما
وعندما أوشكالنقراشي
علي دخول الاسانسير اطلق عليه
هذا الضابط ثلاث رصاصات في ظهره
فسقط قتيلاونقل
جثمانه إلي داره بمصر الجديدة
وأعلنت محطة الاذاعة الحداد
لمدة يومين تقتصرفيهما
البرامج علي القرأن الكريم
والأخبار والأحاديث بمعرفة
المذيعين وحدهم معاعفاء
المذيعات كنوع من الحداد .
من
هو القاتل ؟ :
أما
القاتل فقد اتضح انه ضابط مزيف
كان يتردد علي قهوة بالقربمن
وزارة الداخلية
كان النقراشي رئيسا للوزارة
ووزيرا الداخلية في آنواحد
.
وقال
رواد المقهي انهم عرفوا الضابط
المزيف باسم حسني افنديوانه
تلقي مكالمة تليفونية قبل
الجريمة بعشرين دقيقة من شخص
مجهول اخبره انالنقراشي
باشا في طريقه الي مكتبة بوزارة
الداخلية.. أما الاسم الحقيقي
للقاتل فهوعبدالحميد
احمد حسن وكان طالبا بكلية الطب
البيطري وعندما سأله المحقق عن
مصدرالبدلة
العسكرية اجاب بتهكم: في 'سوق
الكانتو منها كتير '.. وقد تجمل
الجاني ضربالجماهير
وهو في طريقه الي غرفة الامير
الاي محمود عبدالمجيد بك مدير
المباحثالجنائية
وقال في هدوء وثبات.. 'أيوه قتلته
واعترف بكده لانه اصدر قرارا
بحل جمعيةالاخوان
المسلمين وهي جمعية دينية ومن
يحلها يهدم الدين.. قتلته لاني
أتزعم شعبةالاخوان
منذ كنت تلميذا في مدرسة فؤاد
الاول الثانوية .
وبعد
الحادثبأربعة
أيام وفي جريدة اخبار اليوم
الصادرة صباح السبت اول يناير
سنة 1949 نقرأالعنوان
الرئيسي بالبنط الاسود الكبير
قاتل النقراشي له شركاء مع
عنوان ثانويباللون
الاحمر: ابراهيم عبدالهادي باشا
سيجري الانتخابات القادمة
بالاضافة إلي صورةالفقيد
بجوار صاحبة العصمة السيدة
الجليلة أرملته وكان النقراشي
يمانع في نشر هذهالصورة
عندما كان علي قيد الحياة .
سطور
من حياة النقراشى باشا :
علي
الصفحة الثالثة من جريدة أخبار
اليوم نقرأمقالا
كبيرا عن حياة النقراشي ونعلم
منه انه ولد بالاسكندرية عام 1888م
وتخرج فيمدرسة
المعلمين العليا وعمل مدرسا
بمدرسة رأس التين الثانوية
وتنقل في مناصبالتعليم
الي ان عين سكرتيرا عاما لوزارة
المعارف ثم وكيلا لمحافظة
القاهرة واختيرعضوا
في الوفد المصري مع سعد باشا
زغلول ثم اصبح وكيلا لوزارة
الداخلية وأحيلالمعاش
واعتقل عقب مقتل السردار
الانجليزي سيرلي ستاك سنة 1924 ثم
أفرج عنه وصاروزيرا
للمواصلات سنة 1930 وتزوج سنة 1934
ورزقة الله بولديه: هاني وصفية..
وقد صارهاني
دكتورا مهندسا الان ويقيم
بألمانيا وله نشاط كبير في
مشاريع هندسية خاصة بمصراما
صفية فقد تزوجت من د. شامل نجل
ابراهيم باشا دسوقي اباظة .
نعودللنقراشى
باشا الذي تألق نجمة وتولي
رئاسة الوزارة مرتين: الاولي في
24 فبراير سنة
1945 حتي
15 فبراير سنة 1946 والثانية في 9
ديسمبر سنة 1946 حتي اغتياله
فتوليرئاستها
بعده صديقه ابراهيم باشا
عبدالهادي رئيس الديوان الملكي
انذاك وذلك بتكليفمن
الملك فاروق .
ومن
المواقف الوطنية المشهودة
للنقراشي باشا انهأعلن
علي الملأ في مجلس الامن يوم 5
اغسطس 1947 انه علي بريطانيا
الجلاء التام ودونأية
شروط ومن أعمال وزارته: كهربة
خزان اسوان وانشاء كلية الضابط
البحريةبالاسكندرية
وانشاء البنك الصناعي وقناطر
ادفينا وتأميم شركة النور
بالقاهرة وغيرذلك
الكثير ويذكر المؤرخ الكبير
عبدالرحمن الرافعي (1889
1966)
ان
النقراشي باشاكان
وطنيا شريفا نزيهما نظيف الذمة
المالية ومن القلائل الذين لم
يتربحوا من وراءمناصبهم
.
مصطفى
امين يتنبأ بأغتيال النقراشى :
علي
الصفحة الثالثة ايضا من جريدة
اخبار اليوم السابق ذكرهانجد
مقالا بقلم الكاتب الصحفي
المرحوم مصطفي أمين (1914
1997)
تحت
عنوان النقراشيكان
يعرف انه سيموت' يقول فيه: إنه
ذهب لزيارة النقراشي باشا في
منزله قبل اغتيالهبأسبوعين
تقريبا ولفت نظره اثناء جلوسه
في الصالون انتظارا لنزول
الباشا ان حوائطالمنزل
مزينة بصور اصدقاء النقراشي
الراحلين ومنهم الدكتور محجوب
ثابت وشاعر النيلحافظ
ابراهيم ورفيق كفاحه أحمد باشا
ماهر رئيس الوزراء الذي أغتيل
يوم 24 فبرايرسنة
1945 بالبهو الفرعوني الفاصل بين
مجلسي الشيوخ والنواب ورأي ايضا
والكلاملمصطفي
امين
صورة مصطفي النحاس باشا رغم
اختلاف النقراشي معه في كثير من
المواقفمما
يدل علي وفاء النقراشي باشا
لاصحابه حتي ولو كان مختلفا
معهم.. ودار الحوار بينمصطفي
أمين والنقراشي حول القرار الذي
ينوي اصداره بحل الاخوان
المسلمين فتمسكالنقراشي
برأيه في ثبات عجيب 'عرف عنه منذ
شبابه الباكر ايام اشتراكه في
ثورة 1919وقال
بالنص: 'سوف اصدر القرار وانفذه
وبعد الاطمئنان علي الحالة
سأستقيل وأعودمعلما
كما بدأت وأعلم ابني هاني وصفية
بنفسي'! ولما
رآه مصطفي أمينمصرا
علي تنفيذ رأيه تنبأ باغتياله
وقال له: 'قد تكسب رأيك ولكننا
سنخسرك.. وعادمصطفي
أمين بيته باكيا وكان يشعر وهو
يصافحه انه الوداع الاخير..
وتحققت النبوءةواغتيل
النقراشي.. فختم مصطفي امين
مقاله قائلا: تلقيت نبأ مقتل
النقراشي فلم ابكولم
انتحب لأني بكيته بالدمع السخين
قبل أن يموت باسبوعين .
حزنت
مصروجزعت
كثيرا لمقتل النقراشي باشا
وشيعه مجموع الشعب ليدفن بجوار
صديقه ورفيق عمرهأحمد
ماهر باشا في المدفن المقام
بشارع الملكة نازلي (رمسيس
حاليا) بالقرب منمستشفي
دار الشفا بالعباسية ومن الغريب
ان القاتل أعلن ندمه عقب
اعترافه الجريمةمما
علي ان النقراشي باشا كان مثالا
للوطنية الصادقة والشجاعة
الادبية والصرامة فيالحق
حتي أحبه مؤيدوه ومعارضوه علي
السواء .
وقد
توالت حفلات تأبين النقراشي
باشاوتباري
الشعراء والادباء في رثائه
ومنهم صديقه 'شاعر العدوية' علي
بك الجارم (1881
1949) بقصيدته
الغائية الفخمة ومطلعها :
ماء
العيون علي الشهيد ذراف
... لو
أن فيضا من معينك كافي
واذا
بكي القلب الحزين فماله ...
راق ولالبكائه منشافي
ورثاه
ايضا صديقه المفكر الكبير عباس
محمود العقاد ( 1889
1964 )
بقصيدةأنيقة
عنوانها 'الشهيد الأمين مطلعها :